ابن أبي العز الحنفي

116

شرح العقيدة الطحاوية

لمصلحة المأمور ، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور ، كالناصح المشير ، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر ، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر ، مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى عليه السلام : إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ القصص : 20 . فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج ، لا [ في ] أن يعينه على ذلك ، إذ لو أعانه لضره قومه . ومثل هذا كثير . وإذا قيل : ان اللّه أمر العباد بما يصلحهم ، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على [ ما ] أمرهم به ، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير فاعلا . وإذا عللت أفعاله بالحكمة ، فهي ثابتة في نفس الامر ، وان كنا نحن لا نعلمها . فلا يلزم إذا كان نفس الآمر له حكمة في الامر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة ، بل قد تكون الحكمة تقتضي ان لا يعينه على ذلك ، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة المأمور ، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك - : فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأخرى . والمقصود : أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه ، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته . فمن أمره وأعانه على فعل المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره إنشاء وخلقا ومحبة ، فكان مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الأمر . ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه ، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به ، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده . وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر ، فإن خلق المرض - الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان - يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح . ولذلك [ كان ] خلق ظلم الظالم - الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض - يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح ، وان كانت مصلحته هو في أن يعدل . وتفصيل حكمة اللّه عز وجل في خلقه وأمره ، يعجز عن معرفته عقول البشر ،